اسمي سعيد

اسمي سعيد، وعندما كنت صغيرًا ظننت أن ما بين الأفراد وأسمائهم علاقة قوية تُبنى عليها شخصياتهم.
استنتجت أولى قراراتي الحياتية هذه بعد تأملات لمن حولي، فجدتي (صبرية) على سبيل المثال كانت مثالًا يحتذى به في الصبر ورباطة الجأش، فقدتْ ابنها (خالد) وجدي (سعيد) -والذي سميتُ تيمنًا به كما هو واضح- في الحرب ضد الإيطاليين، وما زادتها مصيبتها وفقدانها إلاّ حكمة ووقارًا لا يسعك ألاّ تلاحظه في أي مجلس تؤنسه. ليس بمقدور كائن ما أن يُخلّد قطعًا، لكن صيت المرء وما يتركه من أثر يعيش مدى العصور، وهذا تحديدًا ما تركه العم (خالد)، الشهيد البطل المغوار الذي ضحّى بشبابه للوطن. أمّا عن جدي (سعيد) فكل ما يمكنني ذكره هو أنه استقبل الموت بحفاوة وابتسامة تخور جبروت وطغيان الأعداء؛ تخبرنا جدتي دومًا أنه كان خفيف الظل، مرحًا وبشوشًا، وظل هكذا إلى آخر ما تبقى من حياته، تزيح بشاشته هم رفاقه المجاهدين، وقد كان يبعث شعور الزهو ويدغدغ الأنا في نفسي متى مررت أمام مجلس رفقاء جدي الشهيد وهم يؤشرون بسباباتهم ناحيتي ويقولون: “سعيد الصغير، جده جده!” حتى بدا أن للفرح والسعادة نمطًا وشكلاً وجب عليّ تقمصه، وشعورًا وجب عليّ ارتداؤه كي أغدو (سعيدًا) كجدي كما يتوقعون. لا أخفي القول أنه أحيانًا ساورتني شكوك في نظريتي هذه متى رأيت من يشذّ عنها، جارتنا (صالحة) مثلًا كانت أبعد ما تكون عن الصلح، بل لطالما حذرتني أمي من اللعب أمام منزلها أو حتى التحدث إليها لكونها كما تقول: “قصقاصة خرابة بيوت، تسل في الكلام سلان من الصغار!”

اسمي سعيد، وعندما كنت صغيرًا ظننت أن ما بين الأفراد وأسمائهم علاقة قوية تُبنى عليها شخصياتهم. ولم أنتبه حتى وقت لاحق أن للحزن هوة قد تبتلع كل شيء، تتسع طرديًا مع تراكم معدل أيامك، ويد قد تُقوّض أيّ محاولة للسعادة نحو المقصلة، ولاحقًا أيضًا سيدحض علم اللغويات نظريتي، لأن التسمية -لغويًا- عملية تقوم معظمها على العشوائية تمامًا.

كبرتُ واتسعتْ معي دائرة همومي من مخاوف طفولية كنت محظوظًا كفاية لأهرب منها في أحضان والداي، لأزمات هوية لا مجال لي سوى خوضها وحدي، ولا يسع المرء تذكر متى كانت اللحظة التي بدأت عندها موازين الحزن والخوف وأي مشاعر قاتمة أخرى في أخذ هذا المنعطف الجديد، لأنها لحظة غير قابلة للاقتناص، وهي لا تنتظر رد فعل منك عند تحققها ولن يسعك سوى التمعن فيها عاجزًا خائر الأطراف، ثم تتركك خلفها -بعد أن حسبتها دهورًا لن تنتهي- ممزق الشراع ومتهالك القارب.

لا أواجه شعورًا أفظع من البؤس الذي يصيبني حينما تنهال عليّ الخيبات، خيبة وراء خيبة، وتسوء الأحداث اليومية حولي إلى خارقة للفظاعة اليومية ولجرائم الحرب المعتادة. لا أسوأ من الخواء الذي يناقض دفء اسمي وامتلاءه عنفوانًا، ولا أضرى من حرب أخوضها مع ما ومن حولي وأنا أدفع نفسي يائسًا نحو سعادة أؤمن بوجودها وأؤمن أني سأصيبها لتوازن حزني فيتوازن وجودي. فأنا كما ترى لست ممن يعشقون تبني الحزن كأسلوب حياة مهما بلغ غموضًا وجاذبية، ومهما كان تربة خصبة ورحمًا ولاّدًا للإبداع كما هي العادة؛ المشكلة هي أنه لدينا هذه العادة السيئة بِحَثٍّ من الأدعياء والمتحذلقين، بالنظر إلى السعادة على أنها أمر ساذج وغبي إلى حد ما، وحده الألم عظيم وراقٍ، وحده الشر مثير للاهتمام. هذه هي خيانة الفنان؛ رفض الاعتراف بتفاهة الشر والسأم الرهيب من الألم. إذا لم تتمكن من مجابهتهم فعليك الانضمام لهم. إذا أوجعتك محاولاتك فأعد الكرة، ولكن الثناء على اليأس هو إدانة للفرح، تبنّي العنف هو فقدان للسيطرة على كل شيء آخر، ونحن فقدنا السيطرة تقريبًا، ببساطة لم يعد بمقدورنا وصف رجل سعيد أو صنع احتفاء بالفرح*.

اسمي سعيد، وعندما كنت صغيرًا ظننت أن ما بين الأفراد وأسمائهم علاقة قوية تُبنى عليها شخصياتهم. حتى وبعد أن أدحض علم اللغويات نظريتي هذه، لا زلت أؤمن أن لكل امرئٍ نصيب من اسمه، وأيضًا نصيب من سعادته سيدركه لا محالة لحظة إقراره بها وإيمانه بوجودها مهما تزايد الأسى حوله.
———————————
*  the ones who walk away from Omelas

 You can also find it on FASELA:

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1045777118962220&id=657178127822123

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s