شن يصير في مطرة النص ساعة؟

تخبرنا أسطورة عتيقة ما، أنّ الدموع البشرية ما هي إلاّ نتاج ذكرى لم نستطع احتضانها، فهربت من المقلتين خوفًا من تجردها القسري من الأمان، غير أننا لا نملك الخيار والرغبة أحيانًا في الهرب من بحيرات البلد، وتجردنا القسري من الأمان أيضًا

أتساءل أحيانًا عن ماهية الذكريات العصيبة التي لم تستطع بها الغيوم لبدًا حتى ينهمر المطر علينا غزيرًا هكذا ببحة رعد قوية وكأنها نشيج سماوي. أهي ذكريات عن الأسى التي امتدت يداه للأرض فسادًا وللأرواح انتزاعًا؟ أم عن الفخر بالجهود والتفاصيل السعيدة التي تبقينا على قيد الحياة وسط الغرق؟ يبقى المطر على كل حال علامة البِشر والخيرِ القريب (بإبعاد كل المخاوف والتساؤلات الفلسفية عن عقولنا وترديدنا الدائم: “اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام والظراب.”)

يحمل الشتاء معه تفاصيل حميمية من نوع آخر، في التجمعات العائلية حول الكانون وقصّ (الحكايا الزِّمنية) التي تصبح فجأة مثيرة للدهشة وإدمانية للغاية؛ كنزات الصوف الثقيلة التي نُصِرُّ على ارتدائها لبعث الشعور الروسي الجليدي في شتائنا المصنف مناخيًا دافىء لحد ما. السحلب الساخن، علاج برد الأنامل والحناجر، (المبكبكة بالقديد) وجبة الشتاء المفضلة؛ غير أنّ أهم ما يميز شتاءنا عن غيره هو أنه موسم “القُمباليات” كأحذية للاستعمال اليومي الأنيق، السيارات العائمة، السباحة الحرة والألعاب الشتوية المائية للشباب الذي يحب الخروج عن المألوف في وسط طرقات البلد الرئيسي التي كانت منطقيًا لعبور السيارات، واستحالت بقدرة قادر للنسخة الليبية من مدينة البندقية

نعم، إنه احتفاؤنا الخاص جدًا بالشتاء الذي يبدأ تزامنًا مع (مطرة النص الساعة الغزيرة) التي تغرق كل شىء، غير أن البعض لا يزال يُصِرُّ أن كل هذا الغرق وتبعاته الأخرى خصوصًا في انقطاع الكهرباء رحمة مقابل حر الصيف الشديد؛ فيرد مؤيدوا الفريق الشتوي على الصيفي: “!كل شي إلاّ النو

ومن جانب آخر بعيد عن الحميمية والرومانسية السابقة أعلاه، لا يتوقف هطول الأسئلة الجوهرية عَمَّا ستؤول إليه الحال لو ظلت بنية البلد التحتية على هذا المنحنى من التهاوي، كيف ستصمد البيوت والمباني لسنين أخرى أو لحين الفرج؟ أو هل ستختفي بلادنا تحت الماء يومًا ما؟ أم هو ظن مبالغ فيه؟ كما ترتفع نقاشات موسمية متكررة للسطح كل شتاء عن الأسباب، “كلّه من شيش المية والكواغط اللي تلوحوا فيهم من الروشن يا ليبيين. نفايات الدكاكين اللي تسكر في فتحات الصرف الصحي في الشوارع. المسؤولين هما السبب، وين المسؤولين؟ يقول أحدهم؛ ليرد الآخر عليه: ابدأ بنفسك وفوت المسؤولين يا حاج”

اهتز هاتفي النقال فاستيقظت من دقائق التأمل الفوضوية الشتوية لما حولي، لأرى منشورًا على (الفيسبوك)، يحمل أخبارًا عاجلة عن غرق عدة شوارع رئيسية وجزر دوران للمدينة، مع صورة مرفقة لا تظهر إلاّ أعناق ورؤوس المارة وتختفي أجسادهم تحت الماء؛ غير أن أكثر ما شدّني كان التعليق الساخر لأحدهم: “فلتأخذوا الطلبة الصغار لرحلة ميدانية في أرجاء المدينة، وعرفوهم على بقايا جزر أتلنتس المفقودة في بلد حار جاف صيفًا، دافىء ممطر شتاءً، متوتر وغارق على الدوام”

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s