إن لم يجدوا الخبز فليأكلوا البوريك

 إن لم يجدوا الخبز، فليأكلوا البوريك!
لا يبدو وقع هذه الجملة على المسامع غريبًا أو بعيدًا جدًا، فهو تحوير ساخر لمقولة قد نكون اعتدنا على سماعها قبلًا
منطوقةٍ على لسانِ الملكة الفرنسية -ذات الأصل النمساوي، مما يفسر العديد من أفعالها في نهاية المطاف- ماري أنطوانيت، التي أسدت ببرود قاتل ولا مبالاة رهيبة نصيحة لشعبها المتضور جوعًا الذي لا يملك حتى خبزًا، بأن يستعيض عنه بالكعك
ولكن يبدو حسب ما نرى تاريخيًا، أن الشعب الفرنسي الشقيق لطالما امتلك نزعة جدية شرسة ولا حِس للدعابة بالتأكيد، وهو ما أدى لأن يصل حد المقصلة من قطع عنق الملكة التي لم تبلغ الأربعين حتى، وقد كان هذا ضروريًا من وجهة نظر واقعية
أظالم كان الواقع حينها أم لم يكن، علم الفرنسيون في أعماقهم أن نزع الأعناق ومداهمة السجون لن يكونا كافيانِ للتصدي في وجه البرجوازية والفوضى التي ستحل بهم لاحقاً لسنين طِوال عجافٍ أخرى، حيث لا بسكويت َ فيها ولا خبزُ طبعًا
وتبقى الفكرة الإنسانية التي يكوِّنها البشر عن الإضطهاد في مجملها؛ واضحة، وإن اختلف الزمان والمكان ولو تباينت التفاصيل . ففي وقتٍ لاحق لا يتشابه مع هالة المواقيت الأرستقراطية التي مضت في بلاط قصر فرساي؛ تعيش شعوبٌ أخرى بحكايا أخرى قد تكون أقل أو أكثر تعقيدًا
وفي رحابِ دفء سواحل المتوسط حتى حرارة الصحراء، تواجد بشرٌ  آخرون يحاولون جاهدين تقمص دور البساطة والقناعة والرضى الذي فُرض على شخصياتهم؛ فتراهم على مر العصور متفننين في خلق البدائل والفرص والموارد التي ستساعدهم على بناء الحياة الكريمة التي يحلمون بها ..
فقناعتهم لم تأتي متناقضة مع رغبتهم البشرية البحتة في تجربة (بذخ العيش) وسن قوانين الكرم أو كما تُدعى ( سِبرًا)؛ لكن الأيادي التي تتكاثف على قلب الأحوال، عليها أن تعي بالضريبة الغالية التي ستدفع وب (السبر) الذي سيتحور بطبيعة الحال، دفعاً للفكرة نحو النجاح
فهاهو رمضان آخر يحل علينا، ضيف عزيز به من الرحمة والروحانية ما يمكن أن نحارب به الأسى الذي نعيشه كل يوم، وترف النفس فيه يرقى بها إلى حد آخر من القنوع والحمد، حد لا يتأثر ب( السبر) كثيرًا وقد لا يعيره اهتمامًا
فقد يصادف أن تسمع صوت الأم تُرشد ابنتها في المطبخ  (نقصي وما تبزعقيش اعرفي كيف تحطي ووزعي باهي بوك قال بنقتصدو )
اللهم إلا البوريك! ولا يهم أمقليًا بالبيضِ كان أو مخبوزًا في الفرن باللحمة الطازجة، ملفوفةٌ بالحب والجبن، أو مثلثية تجمع ما بين الهشاشة والطراوة  فهذا لا يغير كون حقيقتها ( بوريكة) وهي ما لا نستطيع التخلي عنه في رمضان مهما بلغت الأسعار غلاءً؛ وهي ما لا تستطيع يد التوفير و الإقتصاد من بلوغه، فهي ألذ ما يجمع بيننا في الشهر الفضيل وهي الحق الذي يجب أن لا يحرم منه أي عائلة ليبية؛ قد ينقص الخبز في رمضان لكن البوريك لا ينفك أن يطل على سفرة الإفطار غالبًا؛ وإن كان بإمكاني سن قوانين للعدالة لجعلت البوريك في مقدمة كل ما يجمعه أولو الخير من غذائيات أساسية للمحتاجين
قد تكون فرنسا انتصرت في النهاية وحققت توازنها المطلوب ولكن كعكها المرجوَّ لم يفعل بالضرورة، على غِرار بوريك ليبيا الذي يظل إنتصارًا فوق الركام؛ أوتعلمون ماذا  الذي سينتصر أيضًا ؟
كل قطرة عرق، كل ذرة جهد، كل سَعي للإصلاح، وكل روحٍ مِعطاء في سبيل هذا الوطن، لأن الخير في الأرض سيبقى محفوظًا للأوفياء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s